الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال
رسالة الطيف لابن دانيال 72
رسائل طيف الخيال في الجد والهزل
وعلم النحو فيه النصب فنّي * على من كان ذا جاه ومال وقطعت العروض بفاعلات * وأوتاد وأسباب ثقال وطببت الأنام فكم أناس * قتلتهم بقبض وانسهال وداويت العيون فكم جفون * بكحلي لا تنام مدى الليالي وصرت من الفلاسف ذا نحل * أسفسط بالمراء وبالمحال وفي الأعشاب والأسلاب علمي * له البيطار « 1 » أصفع بالنعال بأغسال منظفة حرار * تدق الزنجبيل مع النخال وعدت إلى المقابر رب وعظ * ومقرئ على الرمم البوالي وألقيت الخناء وراء ظهري * ولم يخطر ببالي أن أبالي / [ 98 / ب ] فيخرج عجيب الواعظ ويقول : يا عنبر اطلب المقرئين والمنبر . فيحضر المنبر ويرقاه ويستفتح بعد التسليم بما يقرأه ويقول : الحمد للّه الذي جعل المزاح سلوة الهم والارتياح ، ومفاتيح القلوب في الأشباح ، وراحة الأرواح ، أحمده على حسن الأخلاق والتحبب إلى الخلطاء والرفاق ، وصلاته وسلامه على الناطق صدقا ، الذي كان يمزج ولا يقول إلا حقّا ، المنزل عليه ذو الجلال والتعظيم : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وعلى آله عدد نعمه وأفضاله . « 2 »
--> ( 1 ) المراد ابن البيطار وهو من هو في علم النباتات والأعشاب وقد سبق ترجمته قبل قليل ، والمراد هنا هو إظهار أنه بالغ في كل أمر خيرا كان أو شرا حتى بلغ فيه الذروة ، ثم جاء يعترف بذلك للأمير حتى يكون قد أبلغهم بكل صفاته وأحواله ليروا فيه رأيهم بغير حيف ولا زيف . ( 2 ) أراد به هنا السفسطة أو الثرثرة التي لا فائدة فيها ولا منها لقوله تعالى : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وكذلك ما يكون منه جدلا ليس إلا للجدل ، وقد نهى اللّه تعالى عنه إلا في حالة إظهار الحق فقال : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . فكثرة الكلام بما لا يفيد مضرة للإنسان وإرهاق لأذن السامع ، وملل من المتحدث وضياع للوقت بلا فائدة ومدعاة للخطأ . أما إذا كان الإنسان لسنا فلا بأس في ذلك ما دام أنه يقوم بدور إيجابي في مسألة من المسائل الشرعية أو الحياتية أو الإصلاح بين الناس أو دعوتهم إلى الحق والخير ، فاللسن هنا من نعم اللّه تعالى على المتحدث الداعي إليه ، ولم يمل الانتباه من دعوت الناس إلى اللّه حتى أن نوح دعا ألف عام إلا خمسين عاما .